السعوديّة تَنخَرِط في مُفاوضاتٍ سِرِّيَّةٍ مع الحوثيين في مسقط للتَّوصُّل إلى هُدنة

يبدو أن المملكة العربيّة السعوديّة وَصلت إلى قَناعةٍ راسِخةٍ بأنّها لن تَكسَب الحَرب في اليمن عبر التدخُّل العَسكريّ، وباتَت تَبْحَث عن حَلٍّ سِياسيٍّ يُخْرِجُها من هذا المَأزق الذي باتَ مُكلِفًا مادِيًّا وبَشريًّا، وألحَق الأذى بِسُمعة المملكة دَوْليًّا بسبب تَدهور الأوضاعِ الإنسانيّة في اليَمن، وارتفاعِ أعدادِ الضَّحايا ضاعَف من الضُّغوط الدَّوليّة. صحيفة “الفايننشال تايمز” البريطانيّة كَشفت للمَرّة الأولى في عَددِها الصَّادِر أمس نَقلاً عن مَسؤولٍ سُعوديٍّ أن كُلفَة الحَرب في السَّنوات الثّلاث الماضِية بلغت 120 مِليار دولار، وهُناك اعتقادٌ راسِخ لَدى الكَثير من المُقرّبين أن هذا الرَّقم الضَّخم مُجرّد رَقمٍ تقريبيّ، وأن الخسائِر الماديّة الحقيقيّة أكبر بكثير، مع التّنبيه بأنّه لا يَشمَل في الوَقت نفسِه التَّعويضات التي يُمكِن أن تدفعها المملكة لليَمنيين المُتضرِّرين، حيث سَقط أكثر من عَشرة آلاف قَتيل و30 ألف جريح، حسب أرقام الأُمم المتحدة، مُضافًا إلى ذلك تَدمير مُعظَم البُنى التحتيّة في البِلاد من جَرّاء القَصف.
ولعلَّ البَيان الذي صَدر أمس عن مجلس الأمن الدولي الذي يُطالِب التَّحالف العربي بِقيادة السعوديّة إلى رَفع الحِصار فَورًا عن جميع المَوانِئ اليَمنيّة، وفتح مطار صنعاء أمام المُساعِدات الإنسانيّة، هو رِسالة تَحذير للمملكة بأنّ هذا الوَضع يجب أن لا يستمر بعد أن وصلت مُعاناة اليَمنيين درجةً لا تُطاق وباتَ أكثر من 22 مليون يَمني تحت خَطْ الجُوع. الأنباء القادِمة من مَسقط تتحدَّث عن مُفاوضاتٍ سِريّةٍ تَجري بين وَفدين أحدهما يُمثِّل تيّار “أنصار الله” الحوثي بِقِيادة السيد محمد عبد السلام، وآخر سُعودي اختاره الأمير محمد بن سلمان شَخصِيًّا، تَعكِس رغبة الجانِبين في التوصُّل إلى هُدنة تتبعها مُفاوضات تَقود إلى اتّفاقِ سلام. اللِّقاء في حَدِّ ذاتِه يُمثِّل انقلابًا في المَوقِف السعودي، فالمملكة كانت تُؤكِّد دائِمًا رَفضها التَّفاوض مع التيّار الحوثي بحُجَّة أنّه مَدعومٌ من إيران، كما أنّها لم تُحبِّذ أي دور وساطة عُماني بسبب عدم رِضاها على حِياد السَّلطنة، وتَسريب أنباء عبر الصُّحف السعوديّة عن حُصول عمليّات تهريب لأسلحة إلى الحوثيين عبر أراضيها، ولهذا فَضَّلت الكُويت كمكانٍ للمُفاوضات بإشراف مَبعوث الأُمم المتحدة المُقال إسماعيل ولد الشيخ قبل عام.
كان لافِتًا أن هذهِ المُفاوضات السريّة التي أكّدتها وكالة أنباء “رويترز” العالميّة، تتم دون عِلم الرئيس “الشَّرعي” عبد ربه منصور هادي وحُكومته، ناهِيك عن مُشاركته فيها، بينما تتواتَر أنباء ليس عن تَهميش الأخير فقط، وإنّما وَضعِه تحت الإقامةِ الجَبريّة، ومَنعِه من العَودة إلى اليمن، وعدن العاصِمة المُؤقَّتة على وَجْه الخُصوص. من الصَّعب التكهُّن بِنجاح هذهِ المُفاوضات السِّريّة أو فَشَلِها، ولكن كَون القِيادة السعوديّة انخرطت فيها، فهذا يَعني اعْترافًا بقُوّة “أنصار الله” كَكُتلة سِياسيّة، وقُوّة عَسكريّة، لا يُمكِن تجاوزها، عندما يتعلّق الأمر بالحَرب في اليَمن والبَحث عن سُبُلٍ للخُروج من مأزَقِها. ما تتطلّع إليه السعوديّة في هذهِ المُفاوضات هو التوصُّل إلى وَقفِ إطلاق الصَّواريخ على حُدودِها الجنوبيّة أوّلاً، لأن حجم الخَسائِر البشريّة في صُفوف قُوّاتها في ارتفاعٍ مُستمر، وتُشير بعض المَعلومات شِبه المُؤكَّدة أن القُوّات الحوثيّة تغلغلت في العُمق السعودي، وسَيطرت على عَشرات القُرى، وجَرّت القُوّات السعوديّة إلى حرب استنزاف كان لها اليَد العُليا فيها. أمّا ما يُريده تيّار “أنصار الله” فهو الاعتراف بِه كقُوّة رئيسيّة شرعيّة على أرض اليمن، وأنّه بوّابة السلام الرئيسيّة، ويبدو أن هذهِ المُفاوضات السِّريّة في مَسقط تُعتَبر خُطوة رئيسيّة لوصوله إلى تَحقيق هذهِ الأهداف، أو مُعظَمِها، خاصَّةً بعد اغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، وتَفَتُّت حِزب “المُؤتمر” الذي كان يُنافِسه على السُّلطة.
لا نُريد اسْتِباق الأحداث في هذهِ الصَّحيفة “رأي اليوم” ونُصدِر أحكامًا مُتسرِّعة حَول نَجاح هذهِ المُفاوضات أو فَشَلِها، خاصَّةً أن مُفاوضاتٍ مُماثِلة جَرت في الرِّياض، وظهران الجَنوب قبل عامَين وَصلت إلى طَريقٍ مَسدود، ولكنّنا نَستطيع القَول، وبِكُل ثِقة، أن احتمالات السَّلام تتزايد، بسبب حُدوث تَغيير في المَوقِف السُّعودي، وتَوصُل القِيادة السعوديّة إلى قناعةٍ راسِخة بأنّ عليها التحلّي بالمُرونة، بَلْ والكَثير منها إذا أرادت الخُروج من المِصيدة اليمنيّة ونَزيفها الماديّ والبشريّ، وما وَضعها مِلياري دولار في المَصرف المركزي اليَمني في صنعاء كوديعة مَساء أمس إلا أحد المُؤشِّرات في هذا المِضمار.

“رأي اليوم”

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *